View this article in English | bilingual

Himar Bayna al-Aghani

 ارتدت " ثائرة " البالطو الأسود وغطت وجهها بنقاب أسود شفاف ، وخرجت من محبسها لرؤية الدنيا في جولة صباحية طويلة ، كانت تبدؤها بالتسوق ، وتنهيها بزيارة خاطفة لواحدة من معارفها .

وصلت إلى سوق " الحلقوم " الواسع المساحة قرابة الساعة التاسعة ، فوجدته هامداً وحركة المشاة خفيفة . كانت تعلم أن حركة البيع والشراء تنشط قبل شروق الشمس ، حين يتوافد أصحاب البقالات  من حارات مجاورة لابتياع ما يحتاجونه من تجار الجملة .

أخذت تمشط السوق وهي تمسك بيد عمر الصغيرة في كفها العريضة الناعمة كوسادة من حرير . تمشت بين الصناديق المصنوعة من الصفيح التي كانت تبيع كل ما يخطر على البال من أشياء مستعملة ، كالملابس والأثاث والموكيت والأجهزة الكهربائية والمواسير والأفياش ، بل وحتى الأحذية والأمشاط والمقصات والملاقط والمناديل القماشية ، وما شابه ذلك من أدوات شخصية جدا.

أحست " ثائرة " بالانقباض ، وفكرت أن هؤلاء الباعة الملاعين ، يعرضون للبيع حيوات أناس آخرين ، يعرضونها هكذا في العراء دون احترام للخصوصية .

لم تكن بحاجة لشراء شيء من تلك الأشياء المستعملة ، ففي حقيبتها العامرة دائماً بالنقود ما يكفي لشراء أكثر البضائع جدة ومسايرة للموضة في أسواق المُترفين ، ولكن الفضول ومشاعر الحزن التي تستثيرها في نفسها تلك الأحشاء المنزلية المعروضة للفرجة ، كانت تدفعها لإرضاء غريزة غامضة في روحها ، فتحن للتردد على تلك العلب السردينية الصدئة .

اكتسبت بتوالي الأيام خبرة في تصنيف مصادر المعروضات ، فالبضاعة التي تعرض قريبة من اليد ، هي التي تم شراؤها من مالكيها المُعوزين المُحتاجين لريالات قليلة يدفعون بها غائلة الجوع ، وأما البضاعة التي تعرض في مكان بارز للعين ولا تصلها يد الزبون فهي مسروقة ، جرى شراؤها من اللصوص الذين يسطون على المنازل ، وأما تلك البضاعة ذات الطابع الشخصي والمتروكة بعيداً عن عين البائع نفسه فلا يلمسها إلا مُجبرا ، فهي التي وصلت إليه بطريقة غاية في الخفاء، لأنها على الأرجح تعود ملكيتها لأناس توفوا حديثا .

كانت الشمس ترسل أشعتها الكاوية للجلود بوفرة ونشوة في هذه الساعة المُبكرة من النهار ، وكانت الرياح الباردة تصارع أشعة الشمس ، فتصنع زوابع هوائية متفاوتة الأطوال ما بين زوبعة قزمة لا تعلو قامتها عن المتر أو نصف المتر ، وزوبعة عملاقة تجاهد للارتفاع في جو السماء لعشرات الأمتار ، وواحدة من هذه الزوابع العملاقة مرت بالقرب من ثائرة ، فتغلغل الغبار إلى فمها وأنفها وعينيها ، واجتاحتها نوبة سعال وضيق في التنفس أعجزتها عن المشي ، فجلست على مصطبة تمسح وجهها بمنديل ورقي ، وأحست بجلدها كله مُتسخاً بالغبار الذي تسلل حتى إلى تلك الأماكن المحمية بالعديد من قطع الملابس .

تابعت المشي مُعتكرة المزاج صوب " المدج " المبنية حوانيته ومخازنه وممراته من الأقفاص بمختلف أحجامها ، وعبرت هذه المتاهة بسرعة وروحها تكاد تختنق من رائحة الدجاج الكريهة ، باحثة عن ركن بائعات الدجاج البلدي الريفيات .

سحرها منظر الأرض المفروشة بعدد لا يُحصى من الريش الأبيض ، وابتسمت حين خطر ببالها أنه لو لم تخترع الأقلام لكان بإمكانها انتقاء ما يحلو لها من الريش لتكتب أخيراً رسالة الماجستير عن نظام الحكم في الحضارة السبئية ، تلك الرسالة التي أهملت العمل فيها منذ تزوجت بعلي جبران قبل سنين ثلاث .

ذكّرها العجيج المُتعالي من وقوقة الدجاج ، وزعيق الباعة ، ومساومة الزبائن ، بضجيج المظاهرات الطلابية الحاشدة التي شاركت فيها احتجاجاً على رفع أسعار الوقود ، وأفلتت منها ضحكة خافتة لما تذكرت شقاوتها في تلك المرحلة ، يوم كانت تحمل كاميرا فيديو لتصور قمع شرطة مكافحة الشغب لزملائها بالعصي والغازات المُسيلة للدموع ، فلما انتبهوا لما تفعل ، طاردوها وأطلقوا عيارات نارية في الهواء لتخويفها ، فتوارت بين مجموعة من زميلاتها ، وأخرجت شريط الفيديو وخبأته بين فخذيها ، وعندما وصل الجنود صادروا الكاميرا ، ولكن واحدة من زميلاتها ـ كانت تعمل لحساب الأمن ـ نبهتهم إلى مخبأ الفيلم .. وامتدت عشرات الأكف الغليظة الخشنة تجوس في حنايا جسدها .

الشريط نفسه تكسر شقفاً متناهية الصغر ، وسروالها الداخلي الأبيض مزقوه شر ممزق ، وظلت بعد المظاهرة شهراً تعاني من الحكة بسبب ما تركته أظافرهم الوسخة من سحجا