View this article in English | bilingual

6 قصص

 

صديقتي التي لا تُرى

 ذهبت أمّي لزيارة جارتنا أمّ بهاء، ورفضت أن تأخذني معها بحجّة أن النساء يزرن النساء والرجال يزورون الرجال، وتركتني وحدي في البيت واعدة أنها لن تغيب سوى دقائق.

قلت لقطتي إنّي سأشنقها، فلم تبال بي، وتابعت تنظيف شعرها بلسانها.

وقلت لشجرة النارنج المنتصبة في حوضها الترابي في باحة البيت إنّي سأحضر فأساً وأقطعها، فلم تصفر أوراقها رعباً.

وقلت للحائط إنّي سأنطّحه برأسي نطحةً تهدمه، فضحك ساخراً من تهديدي، وقال لي متحديّاً : هيّا جرّب وستكسر رأسك وتندم.

وخيّل إليّ أنّ شخصاً يحوص في الغرف العلوية، فقلت لنفسي مشجّعاً إنّ الهواء هوّ الذي يحرّك شباكاً مفتوحاً، ولكنّي تنبهت أنّه لا وجود لأيّ هواء في تلك اللحظات قادر على تحريك ورقة صغيرة من أوراق الشجر، وصحت بصوت خــشن ممطوط وأنا أقف في باحة البيـت متطلعاً إلى أعلى : من فوق؟

ففوجئت بسماع ضحكة مرحة بالقرب مني، وتطلعت فيما حولي، فلم أر أحداً،  وقلت متسائلاً : من يضحك؟

فأتاني صوت بنت تقول : أنا أضحك. الضحك ممنوع؟

قلت : من أنتِ؟

قال الصوت : أنا جنيّة البيت.

قلت : أنا لا أراك. أين أنتِ؟

قالت الجنيّة : أنا قربك، ولا تستطيع أن تراني، ولكنّي أراك.

قلت للجنيّة : ماذا تريدين مني؟  

قالت الجنيّة : لا أريد منك أيّ شيء، ولكنّ أمّي ذهبت لزيارة إحدى صديقاتها وتركتني وحدي في البيت، وأنا ضجرة وخائفة.

قلت باستغراب : وهل لك أمّ؟

قالت الجنيّة : لي أمّ وأب وأخ أكبر مني سنّاً ويذهب كلّ صباح إلى المدرسة.

قلت : وهل هناك مدارس للجان؟

قالت الجنيّة : وتوجد أيضاً جامعات.

قلت :  كم عمرك؟

قالت الجنيّة :" خمس سنوات.

قلت : أنا أكبر منك بسنة.

قالت :  لا تكذب.

قلت : أنا أكبر منك بشهرين وثلاثة أيام.

قالت الجنيّة : حين أكبر وأصير صبيّة سيصبح بمقدورك أن تراني كما أراك الآن.

قلت : وأين تعيشين؟ وأين تعيش عائلتك؟

قالت الجنيّة : هنا في هذا البيت. أبي وأمي ينامان في غرفة، وأخي في غرفة، وأنا في غرفة.

قلت : ولكنّ كلّ بيتنا لا يتألف إلاّ من ثلاث غرف للنوم وغرفة للضيوف وغرفة للجلوس.

قالت الجنيّة : بيتكم بيتنا، وغرفه غرفنا.

قلت : وأين تنامين؟

قالت الجنيّة بصوت خجل : في غرفتك.

قلت : ما لون شعرك؟

قالت الجنية : شعري أسود طويل، وبشرتي سمراء، وعيناي كبـيرتان خضراوان.

قلت بارتباك : أنا أحبّ العيون الخضر.

فضحكت الجنيّة بمرح، وقالت لي : عندما تكبر ستحبّ العيون الخضر والزرق والسود والرمادية.

قلت : لن أكبر.

قالت : بل ستكبر وأكبر.

وعندما عادت أمّي إلى البيت وجدتني قاعداً على الأرض أحكي وحدي وأضحك، فقالت لي : بســـم الله على عقلك. أجننـــت حتّى تحكي وحدك؟

فأخبرتها بأنّي كنت أتسلى بالحكي مع بنت جنيّة عمرها قريب من عمري، فقالت لي بصوت جاف : اخرس. لا وجود لأيّ جانّ في بيتنا. لم نسكن هذا البيت إلاّ بعد أن أحضر أبوك قراء قرآن وفرقة منشدين.

ولم تبال أمّي بما رويت لها عن صديقتي الجنيّة الصغيرة، وأخذتني إلى بيت جارتنا أمّ بهاء قائلة لها بصوت متوسل : انجديني يا أمّ بهاء. ليــس لي غيرك بعد الله. الله يأخذني. كان عليّ ألاّ أتركه وحده في البيت.

فهدأتها أمّ بهاء، وقالت لها : لا تقنطي من رحمة الله.

ووضعت أمّ بهاء يدها على رأسي، وراحت تتلو آيات من القرآن بصوت يعلو وينخفض حتّى نعست ونمت.

وسمعت أمّ بهاء تقول لأمّي بلهجة مطمئنة : اتركيه نائماً، وحين يصحو من نومه ستجدينه بإذن الله معافى، وقد لا يذكر شيئاً.

فسخرت سرّاً من أمّ بهاء أول مرة في حياتي، فالصديق لا ينسى صديقه، وتنبهت وقتئذ إلى أنّي لم أسأل صديقتي الجنيّة عن اسمها، فأسفت، ولم يتح لي معرفة اسمها لأنّي حاولت فيما بعد محادثتها ولم أنجح، ولم أدر السبب الذي جعلها تزعل منّي وتمتنع عن التكلّم معي، ولكنّي حين سأكبر، سأبحث عن فتاة شعرها أسود وبشرتها سمراء وعيناها كبيرتان خضراوان.

ولم أعد أنام في غرفتي في وسط السرير كعادتي، وصرت أنام على قسمه الأيمن تاركاً القسم الأيسر منه فارغاً حتى يستطيع الراغب في النوم أن ينام براحة تغريه بتكرار النوم في ليال أخرى.

                                              

النيام

أحوص في باحة بـيـتــنا المغمورة بشمس الصيف .

في باحة بيتنا خمس أشجار : شجرة نارنج وشجرة ليمون حلو وشجرة ليمون حامض وشجرة  كبّاد وشجرة خامسة لا تثمر أيّ ثمر، سألت أبي عنها، فأجاب باختصار أنها مجرد شجرة خضراء، وهذا يكفي سبباً لبقائها والحفاظ عليها .

ألصقت أذني اليمنى بجذع شجرة النارنج، فلم أسمع قلباً يخفق وينبض، فقلت لنفسي إنّ شجرةالنارنج نائمة، ولا بدّ من أنها مختلفة عنّا، تنام وينام قلبها.

شجرتي نائمة.

الماء في الأنابيب نائم أيضاً، وسيفيق من نومه إذا أدرت يد الحنفية التي تسجنه، ولكنّـي حُذرت بشدّة ألاّ  ألعب بالماء.

قطتي نائمة، وستصحو من نومها ويتكاثر مواؤها إذا اقتربت من أنفها قطعة لحم أو قطعة جبن .

الحيطان نائمة، أسألها ولا تجيب.

الأرض نائمة، أمشــي فوقها على رؤوس أصابع قدميّ حتى لا أوقظها من نومها.

أنظر إلى الشمس صفراء بيضاء، لا تقوى العيون على النظر إليها، وأنظر إلى السماء زرقاء تملك غيمة صغيرة بيضاء، أراقبها طويلاً، فلا تتحرك كأنّها نائمة أو مثبتة بالمسامير بزرقة السماء.

العصافير هيّ وحدها المستيقظة، تطير من شجرة إلى شجرة، ولا يصدر عنها أّيّ صوت، ولكنّ الشمس حين تبدأ بالمغيب تتخلى العصافير عن كسلها وتغرد كأنّها تودع الشمس أو ترحّب بالليل الذي سيأتي.

الهواء ليس نائماً، ويكتفي بين الحين والحين بتحريك أوراق الشجر حركة واهنة كأنّه ينبهها إلى أنّه موجود، وينبغي لها أن تخشى باستمرار غضبه الذي يسقط الكثير من أوراقها، ولكنّ الهواء مغرور لا يعلم أنّه لا يسقط سوى الأوراق التي اصفرت وماتت وستسرّ الأشجار بالخلاص منها.

وأنا أيضاً كالهواء لست نائماً ولا مستيقظاً، ولكني أتثاءب وأبادر إلى إحضار سجادة  اعتادت أمّي الصـلاة عليها أحياناً، وأفرشها في مكان في باحة البيت لا تصل الشمس إليه، وأستسلم للنوم مشفقاً على العصافير.

 

شجرة جديدة في باحة بيتنا

وقفت على التراب حافياً بين شجرتي النارنج والليمون راغباً في أن أصير شجرة مقتنعاً أن جذوراً ستنبت في باطن قدمي، وتتغلغل في التربة، ورفعت إلى أعلى ذراعي اللذين سيصيران غصنين ينبتان أغصاناً أخرى، فيدهش أبي وأمي وأخي، ويتساءلون بحيرة عن هذه الشجرة التي نبتت وحدها من دون يد تزرعها وتعنى بها، ومن دون أن يتنبه لها أحد، ولكنهم في الوقت نفسه لن يستطيعوا التمتع بها لأنهم سيكونون حزانى على فقدي الغامض، ولم يعثروا عليّ لا حياً ولا ميتاً، ولن يستطيعوا نسياني، ولن يخطر لهم أني قد صرت شجرة خبز أبيض طازج ساخن، كلما قطف منها رغيف نبت بدلاً منه فوراً رغيفان، فلا يبقى جائع، وينقض علي رجال أجلاف راغبون في بقاء الجوع منتشراً، وتنهال عليّ فؤوسهم، فأتوجع، وأصيح متوجعاً، فسمعت أمي صياحي، وخرجت من الغرفة راكضة، وسألتني بلهفة عما بي، فلم أرد بكلمة، وبقيت محافظاً على وقفتي في الحوض الترابي بغير حركة، فقالت لي أمي بصوت موبخ : ألن تبطل التمثيل السخيف الذي يرعبني؟

وصاحت منادية أخي الكبير، وقالت له ضاحكة : أخوك المسكين جنّ.

فسألني أخي عما أفعل، فلم أجاوب لأن الأشجار لا تتكلم، ولم أبال بتعليقات أمي وأخي المتهكمة عليّ، وظللت واقفاً في الحوض الترابي مرفوع الذراعين، ولم أتركه إلا عندما جلست أمي وأخي لتناول طعام الغداء، وأكلت بشراهة، فالأشجار أيضاً تهلك إذا لم تحصل على ما تحتاج إليه من غذاء.

 

أخبار الحائط

سألت صديقي الحائط الأسود الحجري المفضل لديّ عن آخر أخبار بيتنا، فقال إنّ كلّ شيء هادىء ولا جديد يستحق الذكر، فقلت له : ولكنّ أمّي منذ الصباح عابسة الوجه.

قال الحائط : إذا كانت حيطان غرفة أمّك وأبيك غير كاذبة، فعبوسها لا سبب له سوى اختلافها مع أبيك.

قلت : ولماذا اختلفت أمّي مع أبي؟

قال الحائط : أبوك اقترح الانتقال إلى حارة جديدة وبيت جديد، وأمّك رفضت فوراً اقتراحه، وقالت إنّها  تحبّ هذا البيت ولن تتركه.

قلت : ولكننا إذا انتقلنا إلى بيت جديد، فلن تستطيع الانتقال معنا.

فقال الحائط لي ساخراً : لا تقلق. سأزكيك لدى الحيطان الأخرى حتى تحكي معك وتسليك.

فلمست الحائط بيد حانية، وقلت له : ولكنّ الحيطان الأخرى لن تكون مثلك ولن تحلّ محلّك.

قال الحائط : كفّ عن لمـسي وإلاّ بكيت، ومن المعيب أن تبكي الحيطان.

فتركت الحائط، وهرعت إلى أمّي، وقلت لها متسائلاً : أصحيح أننا سننتقل إلى بيت جديد؟

فقالت أمّي لي : ألن تبطل عادتك في التجسس والتنصت لأحاديث الآخرين؟

قلت : الخبر صحيح أم غير صحيح؟

قالت أمّي : أبوك يريد الانتقال إلى بيت حديث.. إلى طابق في بناية، وقال إنّه يشفق عليّ وسئم البيوت القديمة التي تحتاج باحاتها إلى تنظيف كلّ يوم.

قلت : ولكنّ أبي لا يســـاعدك في تنظيف الباحة، ولا أحد غيري يســـاعدك كلّ يوم.

فضحكت أمّي، وقالت لي : ليتك لا تساعدني! أنظف الباحة في ساعة، وحين تساعدني أنظفها في ساعتين.

قلت : أنا لن أترك هذا البيت.

قالت أمّي : اطمئن. لن نترك هذا البيت، وســـأناقش أباك في الليل، وسيقتنع برأيي.

فهممت بأن أسألها عن السبب الذي يجعلها تختار الليل دائماً لمناقشة أبي، ولكني اكتفيت بأن قلت لها : سأقول لأبي إننا نحبّ هذا البيـت ولا نريد الانتقال إلى بيـت لا نعرفه.

قالت أمّي : الصغار لا يتدخلون في شؤون الكبار.

قلت : ومتى سأكبر؟

قالت أمي : بعد عشرين سنة.

قلت متذمراً متضجراً: أف!

ولذت بالصمت مفكّراً، فسألتني أمّي : بماذا تفكر؟

قلت : حين سأكبر عشرين سنة، هل ستكبرين مثلي عشرين سنة؟

قالت أمّي : سأكبر عشرين سنة وأصبح عجوزاً.

قلت : وهل ستموتين عندما تكبرين وتصبحين عجوزاً؟

قالت أمّي : من يدري؟ الصغير يموت والكبير يموت. قد أموت بعد لحظة أو بعد ستين سنة.

قلت : وماذا يحدث إذا متّ؟

قالت أمّي : ستبكون عليّ أياماً ثم تنسوني وأظلّ أشتاق إليكم.

قلت : سأزورك كلّ يوم، وأجلب لك ورداً أحمر.

قالت أمّي : لا تكذب وقل الصدق. أستزورني كلّ يوم أم كلّ سنة؟

قلت : سأزورك كلّ يوم مرتين.

وتخيّلت أنّي أزور قبر أمّي، وهرعت إلى صديقي الحائط، وألصقت وجهي به، فقال لي : إذا ظللت تبكي، اضطررت إلى البكاء أكثر منك، والحائط الذي يبكي يصبح هزأة بين الحيطان.

فقلت للحائط : أنا لا أبكي، ووجــهي مبتلّ بالماء لأنّي غسلته كعادتي كلّ صباح.

وتخيّلت بيتنا بغير أمّي وأبي وأخي، فحزن الحائط، وتبلل بدموع لم تجد يداً تمسحها. 

 

قطاف النارنج

هرولت في باحة بيتنا المغمورة بشمس الظهيرة مقلداً ثغاء خروف جوعان وعطشان،  فطلب إليّ أبي أن أصمت حتى لا يوقظ ضجيجي أمّي التي استسلمت للنوم قليلاً بعد أن تعبت في طهو الطعام وغسل الثياب وتنظيف البيت، فلذت بالصمت، وأشرت بسبابة يدي اليمنى إلى غصن من أغصان شجرة النارنج، وتوسلت إلى أبي أن يحملني ويرفعني إلى أعلى حتى أستطيع قطف نارنجة بدت لي جميلة ناضجة حمراء، فســـألني أبي متعجباً :  وماذا ستفعل بها؟ النارنج مرّ وحامض.

قلت : سأتفرج عليها.

قال أبي : ما دمت لا تريد منها سوى أن تتفرج عليها، فتفرج عليها من دون أن تقطفها.

فقلت لأبي مهدداً : إذا لم ترفعني إلى شجرة النارنج، سأقلد صياح الديك وأوقظ أمّي.

فضحك أبي، وقال لي : أمّك لا تكره صياح الديوك، وإذا استيقظت من نومها، فقد تصنع لي فنجان قهوة.

قلت لأبي مهدداً : سأقلد نهيق الحمير.

قال أبي : أنت مستعجل بلا سبب. انتظر حتى تكبر، فتستطيع وحدك أن تقطف ما تشاء من الأشجار العالية، ومن دون أن تطلب مساعدة أحد.

قلت لأبي : سأبكي وتستيقظ أمّي من نومها وأقول لها إنّك ضربتني.

قال أبي : افعل كل ما يحلو لك، ولكنّي أنصحك بأن تتعلّم كيف تتسلق شجرة النارنج، وعليك أن تجيد التسلق حتى لا تسقط ويتكسر رأسك.

فزعلت من أبي، وقلدت ثغاء الخراف وصياح الديوك ونهيق الحمير ونعيب الغربان ونقيق الضفادع، وبكيت، وملأت شعر رأسي بالتراب، وأيقظت أمّي من نومها، ولكنّ أبي لم يلب طلبي، واضطررت إلى التدرب وحدي على تسلّق الشجر العالي محاذراً أن أسقط.

 

الفــــــخ

دخل أخي إلى غرفة الضيوف، فحاولت اللحاق به، ولكنّه بادر إلى إغلاق الباب من الداخل بالمفتاح، فحاولت النظر من النافذة، فسارع أخي إلى إسدال الستائر عليها، فهرعت إلى ثقب قفل الباب، وحاولت النظر منه، فنفخ أخي مسحوق العطوس في وجهي، فرحت أعطس العطسة تلو العطسة، وانهمرت الدموع من عينيّ، فسألتني أمّي المنهمكة في تقطيع الخضروات عمّا بي، فحكيت لها ما فعله أخي بي، فضحكت، ونصحتني بالكفّ عن الفضول والتدخل في ما لا يعنيني.

ولم تتنبه أمّي إلى قطتي التي دنت من الصحن المملوء باللحم الذي ستطهوه مع الخضروات، وأكلت اللحم كلّه.

وعندما انتهت أمّي من تقطيع الخضروات، حملقت مبهوتة إلى صحن اللحم الفارغ، وصاحت : أين اللحم؟

قلت : أكلته القطة.

قالت : ولماذا لم تمنعها أو تخبرني؟

قلت : أنا لا أتدخل إلاّ في ما يعنيني فقط، ولا علاقة لي بشؤون المطبخ.

وطهت أمّي الخضروات بغير لحم، وأكلّتُها على مضض.

ولم تغضب أمّي عندما ضبطتني بعد أيام أتنصت على جدّي وهو يحدّث جدتي عن وصيته الأخيرة وما تحويه، وسألتني بإلحاح وبصوت هامس عمّا سمعته.