View this article in English | bilingual

مختار

طلبت مني أمي أن أقضي الصيف في بيت أخوالي بالجنوب، وحاولتُ بحذلقات السادسة عشر آنذاك، العمر الذي لا يلتفت فيه إلى منطقك الفلسفي الناشئ في الحياة إلا الأم، أن أشرح لها أن الحياة تنزع شمالاً، وأن الجنوب، من حيث جاءت هي وأبي، آيلٌ للتقادم، وأن ابن خلدون رجلٌ عظيم، والمال يمكن تدبيره لإجازة أفضل، وأخوالي أناسٌ ليسوا طيبين بما يكفي. حاولت إقناعها بما أملك من صوتٍ خفيض، وخجلٍ متوارثٍ عصا عن عصا، ولكني وجدتُ نفسي أخيراً أترجل من الطائرة في مطار أبها، لا أحمل تبريراً إلا الطاعة، وبعضاً من الجدل الذي لم يرفدني فيه ابن خلدون بعد أن دحضت أمي عنصريته الشمالية، بالإشارة إلى أن نيس وكان، في جنوب فرنسا.

ولكني تعرفتُ في هذه الرحلة على مختار، الطبّاخ الذي يعمل في بيت أخوالي، كان يملكُ في غرفته الملحقة بغرف السائقين ثلاثة آلات موسيقية كلها تحبه، بالإضافة إلى عدد هائل من التماثيل الصغيرة التي يصنعها من القطن والقماش، كلها تمثل راعية أغنام تركية واحدة، كان يعشقها في صباه، بالإضافة إلى زيوتٍ عطرية يبخرها على ضوء الشمعة ليطرد رائحة التدخين التي تتسرب من غرف السائقين القريبة. كان يبقي غرفته أنيقة، بما يليق بفنانٍ مهاجر، ترك تركيا منذ سنواتٍ طويلة، وظل يتبع أقداره جنوباً، فجنوباً، حتى تعلق أخيراً بالقصبة القديمة من أبها، في بيت أخوالي.

كان يملك أكبر بطنٍ رأيته في حياتي، حتى إذا احتضن عوده، بدا ظهر العود المحدب يتلامس مع بطنه في مساحة ضيقه جداً، مثلما تتلامس كرتان مثلاً، وبالكاد تصل ذراعه القصيرة إلى محط الأوتار، ثم يعزف لي اللحن المرح نفسه الذي يحيي فيه أطفال العائلة، ويبتسم لهم ابتساماتٍ بالكاد يظهرها شاربه الكث، لولا أن تشي بها عيناه، فنعرف أنه يبتسم. كنت أعلّق عينيّ على يده اليمنى في البداية، محاولاً أن أفكّ سر مهارته بسرعة حتى أعزف مثله، وكأن العزف ليس إلا لعبةً يمكن ممارستها بقليل من المران والتعلم، قبل أن يصل إلى علمي متأخراً جداً أولى أسرار العود، وهو أن اليد اليسرى المعلقة على الطرف النحيل من العود، أهم بكثير من أختها. 

*   *   *

طلبتُ من أمي في الإجازة التالية أن أذهب إلى أبها، ليس من أجل مختار، ولا براً بها، ولكن من أجل فاتنةٍ في الحيّ، ليس شيمتها الغدرُ كما يقول أبو فراس، ولكن في الحقيقة أن لها شيمةً أسوأ من ذلك بكثير، كانت شيمتها العهرُ! وهي امرأةٌ ثلاثينية، لا أعرف بالتحديد أين هو زوجها، ولكنها كانت تقيم وحدها في منزل يفصله شارعان عن قصر أخوالي الكبير، التقيتها بينما كنتُ أمشي عائداً من البقالة، نادتني وهي متلفعة بعباءتها، فتجاهلتها ظناً مني أنها متسولة، ولكنها ألحت في ندائي، ولم أبصر عليها شظف العيش، فوقفت لأسمع منها سؤالها: هل أنت ابن الرشيد؟، فأجبتُ بتحفظ: لا، ولكنهم أخوالي وأنا أسكن عندهم، فأردفت بسرعة وارتباك: هل تحب أن تنام معي بخمسمئة ريال فقط؟

تجمدت الدماء في عنقي، وشعرتُ بذلك الخواء البطنيّ الذي يصاحب الصدمات عادة، وضاعف قلبي البكر نبضاته بجنون، وبقيتُ صامتاً لوهلة قبل أن يخرج من فمي سؤال مبحوح لا محل له من النقاش، ولا أدري ماذا يعني هذا السؤال، ولكني ألقيته ببلاهة: كيف؟ قلتُ لها كيف دون أن أعي ما هو هذا الذي أريد أن أعرف كيفيته، هل هي كيفية النوم معها، أو كيفية الجنس الذي ما كنتُ قد تذوقته في حياتي قط، أو حتى كيفية أن تحدث لي هذه المصادفة الهائلة في عبور بسيط للشارع، المهم أنها التقطت سؤالي بذكاء، وفتحت لي عباءتها لتريني صدرها الكبير، ثم وجهها الذي لم يكن مخيفاً أبداً، بل مليحاً وطفولياً ليهدّئ من روع مراهق مثلي، هتفت لي: إذا أردت، أذهب وأحضر الخمسمئة، ثم تعال واطرق الباب بشكل عادي.

ونفدت في أقل من أسبوع كل الآلاف الثلاثة التي أعطتني إياها أمي للإجازة، واضطررتُ لطلب النقود من جدي وجدتي، وأحد أخوالي الشباب، ثم بعتُ هاتفي الجوال وطلبتُ من أمي أن تبعث لي غيره بحجة أنه سقط في البالوعة، وبعتُ الذي بعثته أمي أيضاً، وعدتُ للرياض في آخر الإجازة وقد ضاجعتُ المرأة خمس عشرة مرة، لم يبق منها في ذاكرتي إلا عبقها الحاد المؤلم، ومتعي الناقصة جداً، ورتلاً كبيراً من الملامح البصرية لجسدها في كل الأوضاع، أنفقتها كثيراً على فراشي فيما بعد، وتعزّيت على ابتعادها عن منال يدي بأن صارت عندي حكاية ذهبية لا تقاوم، حكيتها لخمسين صديقاً من أصدقاء المدرسة والحي والأقارب، واختصرتُ سنةً على الأقل من النضج الرجولي المتدرج.

وفي هذه الإجازة الثانية، جئتُ مدججاً بستة آلاف كاملة، وبالعديد من الجمل التفاوضية التي سهرتُ عليها لهواجس طويلة لتخفيض سعر المضاجعة إلى مئتي ريال، وتطويل مدتها إلى ساعة كاملة على الأقل، مع اشتراط الاستحمام معاً بعد كل مرة، والتعري التام منذ الدخول وحتى الخروج كي تختزن عيناي ما يكفي من الصور لليالي الفراش الوحيدة، وفي هذه الإجازة أيضاً عرف مختار الطباخ سري الجميل، وصار يخطط لي زيارات ليلية إلى بيتها، بدلاً من تلك النهارية المتوترة، وينتظر عودتي ليفتح لي الباب الذي يحرص جدي على إقفاله كل ليلةٍ بنفسه.

وانتهت تلك الإجازة، بالتغيرات الآتية: أصبحتُ أحب الجنوب أكثر، حيث نضج قلبي وجسدي، وأصبَحتْ أبها مدينة الحب والنهد والربيع والمطر وكل المعاني المرادفة للخصوبة والمشابهة للهطول، وصارت المرأة التي لا أريد أن أذكر اسمها تشتاق لي، لذاتي، وتبذل لي دلالاً وخضوعاً وغنجاً يفلق قلبي نصفين رغم أن عمرها ضعف عمري، وصارت تحنّ إليّ حد الممارسة المجانية والمضاعفة أحياناً، وأصبحت أقضي ساعاتٍ أطول في غرفة مختار لأنه الوحيد الذي يسمع الحكاية كاملة دون مقاطعة، ويترك تعليقاتٍ إيجابية جداً، ومحفزة لرجولتي المتوثبة، ويقنعني أن ما أفعله هو مفيدٌ جداً لتجربتي في الحياة، وأني محظوظ أنها تيسرت لي في هذا البلد، ثم بدأ يعلمني عزف العود.

*   *   *

في الإجازة الثالثة لم تكن المرأة موجودة، ولم يكن عندي مبررٌ كاف للسؤال والتقصي، عزيتُ نفسى عن المتعة المفقودة بأني سأحتفظ بالآلاف التي جلبتها معي لمتع أفضل، وأني أصبحتُ شاباً أعرف عن النساء ما يكفي لئلا أنقطع منهن أبداً، لاسيما وقد بلغتُ التاسعة عشرة فعلاً، ولا ألبث أن أكون مؤهلاً جداً للسفر، مثل أخوالي الشباب الذين لم يعودوا يتحرجوا من الكلام معي عن كل ما في بيروت ولندن والقاهرة من طيباتٍ مكدسة، وأن النساء هناك "أقل" شيء جدلا! فركنتُ إلى ذلك بعد أن انتزعتُ بالفعل وعد السفر الأول من جدي، ورحتُ أقطّع الوقت الباقي مع مختار، وعوده الرنان.

ورغم أني صرتُ أعزف بشكل جيد، لأني واصلتُ مراني في الرياض طوال الفترة بين الإجازتين، إلا أن مختار كان دائماً ينتقد نزوعي للأوتار العلوية الرتيبة، ويقول أن هذا من دافع تأثري بالعزف العربي الميّال للكآبة، والبطء، واستدرار الدموع. أخبرني أن العود ليس آلة حزينة، وأن أسفل العود أبهجه. ولم أكن في البداية أميل للالتفات إلى فلسفته تلك بقدر ما يهمني أن أتعلم منه التقنيات الفنية فقط، ولكنه كان مصراً على حقني بذاكرة ثلاثين سنة من العود، والمراعي، وتركيا الجميلة.

((الغناء في الأصل ضد الحزن، شيءٌ من التشويه أن نجعله رديفاً له))، هكذا قطعتُ جلسات طويلة مع مختار أتمرن على الأوتار السفلية فقط، وضع مختار لاصقاً على الوتريين العلويين حتى لا يهتزا، وأجبرني أن أعزف مقاماً كاملاً باستخدام الأوتار الثلاثة الباقية فقط، استمتعتُ بهذا التحدي، ووجدتني أنطلق بثلاثة أوتار وكأني أعزف على عود مكتمل، وعندما حررنا الوترين الباقيين، اكتشفت أن مهارتي تضاعفت عدة مرات.

قال لي مختار: ((صحيح أن الأوتار العلوية الثقيلة قد تجعلك تحرز بعض الدموع من مستمعيك، ولكن الأوتار الثلاث السفلية، تجعلك تحيي حفلاً كاملاً! من الضروري أن تصنع الإيقاع واللحن بآلة واحدة، لا تكن أبداً بحاجة إلى طبالين تافهين، إن هذا الشيء المحدب ذو الأوتار الخمسة يملك من الأسرار ما لا يمكنك اكتشافه في عمرٍ بأكمله. هذا العود وحده هو الذي أغناني عن أب وأم، وزوجة، وأطفال، ووطن، إذا كان معي عودي فأنا سعيدٌ ومرح، وأعيش كل يوم لي في الحياة، دون قلق!))

تخيلت أربع عشرة فتاة على الأقل متحلقين حولي في الرحلة المرتقبة، وثمة شبان آخرين لا يلفتون الانتباه لأنهم لا يعزفون العود، ورأيتني أشعل بالأوتار أجسادهن لرقص محموم، وأتحكم بشكل مباشر في هزة ذاك الردف أو ذاك، من المدهش أن نتحكم في أجساد النساء بعد أن تعودنا أن تتحكم فينا أجسادهن! هذا العود يصنع العجائب، ولا شك، لا شك مطلقاً، في أنه سيكون حليفاً مهماً لي في غزواتي العاطفية القادمة، وفي المستقبل المهني لقلبي حتى الشيخوخة.

  *   *   *

وعدتُ من لندن ولا شيء جديد، لا النساء استجبن لنظراتي وكلماتي المتكلفة، ولا محاولاتي لابتداع طريقة غير متوقعة للنقاش، كنتُ أظنُّ أنني عندما أفرط في التأنق، وأرتدي ساعة الألماس التي تنازل لي عنها خالي، فإنه يكفيني أن أختار طاولة مشمسة في المقهى وأترك بقية الخطوات لفتاةٍ حالمة تندلق عليّ وحدها. لاشيء من هذا حدث، ولم أجد أيضاً ظروفاً مواتية لعزف العود في أي مكان، ما عدا وحيداً في غرفة الفندق، رغم أني أحضرتُ معي عودين تحسباً لصخب عربي لا مثيل له في صيف لندن 2004، لا شيء على الإطلاق وشى بأن النساء كائنات سهلة، كن يعبرنني وكأنني جزءٌ من الرصيف اللندني المزدحم دائماً، جربتُ كل ملابس حقيبتي، ونفدت قارورة الجل، والعطور الثلاث، ولم أمارس الجنس مطلقاً في لندن، ولم يستمع إلى عزفي سوى خادم تنظيف الغرف العجوز.

عندما عدتُ للرياض كنتُ كالعائد من يباب قبيح، وليس من مدينة جميلة كلندن، بدوتُ ضجراً ومستاءً من كل ما حولي، ومستفزاً بعدد لعناتي الساقطة على كل شيء، اختلقتُ أربع حكايات متنوعة لأرمم بها كبريائي أمام الرفاق، كانت إحداهن مع أميرةٍ كويتية فُتنت بي في إكسفورد ستريت، وهربتُ بها عن الأعين العربية إلى مناطق بعيدة على أطراف لندن، وضواحيها، لنصنع جنوناً ملفقاً، وكانت حكاية أخرى عن لبنانية مقيمة في لندن، وجدت في وجهي الأسمر، وفحولتي العربية، ملاذاً لها من برود الإنجليز الجنسي، والحكاية الثالثة عن فتاةٍ مغربية انتزعتها بذكاء ومهارة من عجوز سعودي ثري كادت أن ينفجر غيظاً، والحكاية الرابعة عن فتاة بريطانية تعمل في محل الحلوى بالفندق.

صدّق الرفاق أو لم يصدقوا، لا يهم، الرياض بعد الصيف دائماً ما تمتلئ بالأكاذيب أصلاً، ولكن أحداً لم يشعر بقلقي الشديد تجاه أحلامي الدنجوانية المنهارة، والمتساقطة من قلبي على أرض قاسية كالرياض، كنتُ أفكر أنه سيتعين عليّ أن أنفق طوال عمري على الجنس، أو أتزوج لأنقلب على امرأةٍ واحدة قبل أن أغترف كفايتي من النساء. الحكايات، الحكايات، ليس عندي حكاياتٌ تكفي، وهذا ما سيحزنني بقية العمر.

عدتُ مرةً أخرى للأوتار العلوية الثقيلة، وأتلفتُ المواويل تحت لساني، ودخلتُ في نوباتٍ من الكآبة جعلت أيام الجامعة تبدو أعشاشاً خاوية لطيور لم تأتِ أبداً، وبدأت أمي تستشعر فيّ عصبيتي، ونزقي، وحدتي في التعامل مع الأقارب، ورفضي التام لكل المناسبات الاجتماعية، وأخبرتها في نوبة تبرير أني لا أتحمل هذا البلد، وأن سياساته خاطئة ومنافية للإنسانية، وأني سأكمل دراستي خارجه. وضغطتُ على قلبها الأرمل، والمبتلى بحب ابنها الوحيد، فوافقت على سفري، وطلبت مني أن أسأل جدي ذلك لأنها لا تملك مالاً كافياً.

كان أسوأ ما يمكن أن يحدث وأنا في هذه الحالة، أن أسافر إلى أبها، فلا أجد أعذاراً تقنع جدي، فأنسحب من أمامه بشكل غير مهذب، متجهاً إلى غرفة مختار التي منذ دلفتها، وجدتُ رجلاً يمنياً لا أعرفه، قدمه لي أحد السائقين على أنه الطباخ الجديد!

 

الرياض

21أكتوبر 2005