View this article in English | bilingual

وقت التسلية

لم يكن بهلواناً يمشي على حبل، ولا حاوياً يرقّص الأفاعي، ولا مروّضاً يلاعب النمور، يداه عاريتان، لا سحر ولا خفّة، وليست لديه أية أداة، لا حلقة، ولا مزمار، ولا سوط، ليس سوى جسده، عُدَّته الوحيدة في نوع غريب من التسلية، نوع نادر لم يصادفه أحد من قبل، ولم يعش مغامرته. وإذا كان البهلوان يسير خفيفاً على حبله، والحاوي ينفخ في مزماره ويميل برأسه مع الثعبان، ومروّض النمور يسوط الهواء بحركة رشيقة باهرة وهو يراقب عيون نموره المتربّصة ويُنصت لأنفاسها، وسط حماسة الجمهور، يلتقط توترها مع التماع حدقاتها، ويهجس تغيّر مزاجها من تصاعد أنفاسها، فإن صاحبنا، رجل التسلية، لا يفعل أكثر من أن يُغمض عينيه وهو يتمدد في الحفرة بصمت وسلام بانتظار أن تردم عليه.

حينما تكون الحفرة بعمق متر تقريباً، ويتجاوز بقاؤه فيها خمس عشرة دقيقة مطموراً تحت التراب، فإن الأمر سيكون مغامرة بالفعل، مثلما سيغدو تسلية يتجمع حولها الناس غير مصدّقين بأن رجلاً يُدفن في كلِّ مرّة حتى يتساوى فوقه التراب، وقد يُبالغ بعض الظرفاء فيقضون الدقائق الخمس عشرة بتعديل التراب فوقه باحتراف وتأنٍ بعد رشّه بقليل من الماء، كما يفعلون مع القبور عادة، حتى إذا مرّت الدقائق وسط صمت الجمهور وتحسّبهم أخذوا يحفرون بهمّة، ومع اجتيازهم نصف عمق الحفرة أو أكثر بقليل يلقون بأدواتهم على الحافة ويواصلون الحفر بأيديهم، كلما نزلوا أكثر زادوا من سرعتهم، والرجل يتجسّد تحت أصابعهم كما لو كان تمثال إنسان مسجىً، إنهم يحفرون عند الرأس بأسرع وقت ممكن، حتى إذا تكشّف وجهه نفخ بصوت مسموع وتطاير لنفخته التراب الذي بقي على فمه وفي فتحتي أنفه مثل نافورة من غبار، عندها يتعالى هتاف الناس غير مصدّقين وقد انقطعت أنفاسهم وهم يتزاحمون حول الحفرة.

كان يأتي في مرّات متباعدة، يراه الناس على غير موعد يسير وحيداً على الضفة، أو يخرج من باب محطة القطار بعد أن مشى إلى جوار السكة الحديد، تمرّ به القطارات سريعة خاطفة في الليل وفي النهار، يلمحه بعض الركاب لحظات ولا يفكّر أحدهم أنه رأى رجلاً يسير في مكان موحش لا أشجار فيه ولا ماء، شبح عابر آخر، يحدّثون أنفسهم وهم يسترخون على كراسيهم.

يأتي دائماً حين يعلو سأم الناس ويسود الصمت بينهم، تجفُّ مشاعرهم شيئاً فشيئاً، بعد أن يجهدهم عناء العمل اليومي واعتياد التفاصيل، فتبدو الحياة محفوظة عن ظهر قلب كأنها عيشت من قبل، وتلوح الوجوه أشدّ صلابة وأكثر تغضّناً مثل ثمار الجوز، لا غرابة ولا دهشة ولا ريح من مفاجأة تهبّ فتُنعش أشجار الروح وتحرّك أوراقها. لا وقتاً محدد لسأم الناس ولا سبباً بعينه، فلكلٍ وقته وأسبابه، لكنهم في العموم ينزلقون إلى السأم في أوقات متقاربة تتقاطع أحياناً وتنفصل أحياناً، وتعيش ذروتها معاً كما لو كانت تصبُّ في ساحة مجدبة، إنه وقت السأم والصمت الجماعيين، الوقت الذي يفكّر فيه كثيرون برجل الحفرة، يستعيدون مع أنفسهم حكايته، حتى وإن لم يكونوا قد رأوه من قبل.

كان قدومه مناسبة غريبة مثل تسليته، تُخرج الرجال عن رتابة أيامهم فيغيّرون بعض عاداتهم، يمرّون في طريق عودتهم من رصيف الميناء إلى منازلهم بشجرة السدر المعمّرة قرب جسر الخشب، حيث يُفضّل في العادة أن يستريح، إنهم يحييونه وقد تأكدوا من مجيئه بعد أن وصلهم الخبر مبكّراً، يدقون أجراس درّاجاتهم الهوائية ويلوّحون له، وكان يكتفي بالنظر إليهم، لا يلوّح ولا يرد، لكنهم يواصلون طريقهم مبتهجين، وفي منازلهم يتحدّثون عن رجل الحفرة الذي عاد. بعضهم يذكرون أنهم رأوه من قبل، كانوا صبياناً وقتها، ركضوا نحو الشجرة ورأوه جالساً تحتها كما هو اليوم، مرّت سنوات وهو على حاله، لم يتغيّر إلا قليلاً، كأن الزمن لا يمرّ من حوله ولا يغيّر فيه الشئ الكثير. كان آباؤهم وقتها قد خرجوا عن رتابة أيامهم، مثلهم تماماً، وغيروا بعض عاداتهم، دقّوا أجراس درّاجاتهم ولوّحوا، وكان قد اكتفى بالنظر، لم يلوّح ولم يرد.

عندها ينشغل رجال محدّدون بتهيئة الحفرة على الضفة، على بُعد أمتار من شجرة السدر حيث جلس، لا ينظرون نحوه ولا يحدّثونه، إنهم رجال المشاغل وأصحاب الواجب ممن تراهم يتقدمون الناس في الأحزان والمسرات، يحضرون في الأوقات المناسبة تماماً، وأحياناً قبلها بقليل، يشمّون المناسبة قبل وقوعها فينتظرون أمام الأبواب مترقبين صراخ أهل المنزل ليهجموا هجوم رجل واحد فالوقت وقتهم ولن يمنعهم أحد عن تأدية ما خُلقوا من أجله. يقضون الظهيرة بالحفر، أدواتهم جاهزة على الدوام، يتناقشون فيما بينهم، يتصايحون، يختلفون ويتفقون، وقبل أذان العصر يكونون قد أنجزوا عملهم وجهّزوا الحفرة على أكمل وجه، وهو الوقت الذي يبدأ الناس فيه بالتجمّع، يأتون جماعات وقد حثّوا بعضهم، هيا، لا تتأخر، دقائق، دقائق فحسب. لقد خفّ السأم في نفوسهم، يمكنك أن تتأكد من ذلك وأنت تسمعهم يتبادلون الحديث في الطريق إلى الحفرة، وقد تسمع أحدهم يُعلّق ضاحكاً، وها هي وجوههم تلين ويخفّ تغضّنها، يمكنك أن تقترب لترى بنفسك، إنه وقت التسلية.

الغريب أن لا أحد ينظر نحو الرجل، كأنه غير موجود، يمرّون به من دون أن يلتفتوا إليه، إنهم مشغولون بالحفرة المستطيلة المرتّبة، حتى إذا حان وقت النزول التفتوا، كأنهم تذكروه فجأة، ورأوه ينهض على مهل ويخطو باتجاههم، عندها يفتحون له ممراً بينهم يضيق كلما اقترب من الحفرة، يتابعونه بإمعان، يتفحصون خطواته البطيئة ويرونه يخلع نعاله الجلد ويتركه على الحافة، ثم ينزل بقدمين صلبتين تيبّس جلدهما وتشقق كعباهما، وكما لو كان يستلقي على سرير بكامل ثيابه يحرّك جسده الممدّد قليلاً حتى إذا استقرّ وانقطعت حركته اندفع رجال المشاغل لردم الحفرة، يهيلون التراب على القدمين أول الأمر ثم يصعدون إلى باقي الجسد، حتى إذا وصلوا قريباً من الرأس أغمض الرجل عينيه وانقطعت أصوات الناس حول الحفرة.

خمس عشرة دقيقة، قد تزيد قليلاً لكنها لا تنقص فكثير من الواقفين ينشغلون بمتابعة ساعاتهم، يضبطون وقت تسليتهم، ومع أول صيحة يعاود الرجال الحفر بأدواتهم ثم بأيديهم، ويعلو اللغط من حولهم. يتذكر الناس المشهد بتفاصيله الدقيقة، يتحدّثون مبتهجين عن نافورة الغبار وهي تصعد مع أول نفخة من فم الرجل، ذلك ما سيعيدون حكايته مرّة بعد أخرى لوقت طويل.

لم يتركوا للمشهد أن يكتمل أمام عيونهم فقد استداروا عائدين مع وقوف الرجل وسط الحفرة وقد عفّره التراب، لم يشاهده أحد منهم ينحني على الحافة كأنه يزيح عن روحه ثقل التراب، ولم يسمعه ينفخ مراراً قبل أن يكون بإمكانه أن يصعد ويلبس نعاله، الأغرب من ذلك أن أياً منهم لم يقترب منه، قبل نزوله إلى الحفرة أو بعد خروجه منها، لم يحدّثه ولو حديثاً عابراً، ولم يسأله عن اسمه وقد بقي بينهم نهاراً كاملاً، إنه رجل التسلية، ذلك اسمه وتلك مهنته، الرجل الذي يؤمّن لهم حكاية مبهجة لوقت طويل.