View this article in English | bilingual

الحياة بدوني

ما يؤلمني وسط كل هذا أن والداي سيضطران على دفني قبلهما....

أشعر بالذنب ينهشني.....

لا اعرف من تقيأ هذه الفرضية وسط الحكم والفلسفات المبتذلة التي تملأ هذه الحياة جاعلا منها خطا أحمرا لمدى الفظاعة التي باستطاعة القدر وما شابهه أن يقترحها علينا

"ما أقسى ان يضطر الوالد أن يدفن أحد أبنائه"....

 

هذا ما تمتم به ولاء الذي كان يعمل بوظيفة "كوبي رايتر" أو ناص إعلانات في شركة عالمية كبيرة في تل أبيب تختص بترويج السلع الغذائية والتجميلية والخلوية وذلك بعد خروجه من عند طبيب الدم الذي كان قد أعلمه ان في جسده ينتشر السرطان بسرعة فائقة وغير متوقعة بسرعة تفوق سرعة توارد الأفكار الدعائية في هذه الغابة الاستهلاكية المتطلبة مما قد لا يمهله أكثر من شهرين من أجل العيش أو محاولة  العيش أو محاولة الاستمتاع بما تبقّى له....

"ما تبقّى لي"

لم يتبق لي سوى المرور من هذا النفق المكيف أو السوبر ماركت المتكلف والمعّد للأغنياء من أصحاب المتطلبات الاستهلاكية الخاصة جدا... لم يتبق لي سوى هذا الممر بين عيادة الطبيب ووقع حقائقه الجديدة وبين الخارج: ذلك المدى المعطر بالغازات السامة...

 

 

1+1 هدية: حليب مرطب فاخر للبشرة التي يسعى صاحبها للتواؤم معصخب المدينة الكبرى....

هؤلاء الأغبياء....بشرتي التي ستصبح  كورقة شجر خريفية تتوسل للأرض كي تحتضن بقاياها....

 

3 ب- 100 شيكل حملة أسطورية لا تصدق فعلا على مصافي المياه  الأولى في العالم والتي تعمل بتقنية شون-شين-شو الشهيرة....

 

مياه مثلجة تنسكب على عنقي وتتسلل رويدا رويدا لتدخل بين أصابع رجلي أليسري ،رعشة تلقي بي خارج ديار الرغبة ...والذاكرة ...من أنا؟

من أكون الآن ؟ في هذه اللحظة المعطاة في هذا اليوم في هذا الشهر في هذه اللحظة الهاربة من الحّر القاتل...أين فر ذلك الشقي الشبق الذي تقلب قبل يومين عهرا على سرير الليل....

من أنا الآن في هذه اللحظة المربوطة بين مدخل متجر ومخرج لا تبدو له بشائر...هذه اللحظة تشبه هؤلاء الضحايا الذين كانت تربط أطرافهم بين سيارتي جيب ثم تتحرك السيارتان بسرعة جنونية لينشطر جسد الضحية إلى أثنين ...قرأت وصفا لهذا المشهد في العديد من الكتب المؤرخة للحرب الأهلية في لبنان...سأعود الى تلك اللحظة ..ما الفائدة من إجراء عملية تكبير لعضوي بواسطة السيلكون الأن قد تكون الخلايا السرطانية انتشرت فيه بحيث لا تجد أنسجة السيلكون أي حيز تستقر فيه..

أعد التدقيق في أولوياتك... جسدك يستحق منك اهتماما  أكثر ...واكب متعة الحياة الصاخبة والمتطلبة من حولك ....رزمة لمرة واحدة...كريم لشد الجلد+غسول للخلايا الميتة+علاج سبا مجاني (خاضع لشروط الحملة :أيام الاثنين بعد الحادية عشرة ليلا فقط على أساس الأماكن الشاغرة)..الرزمة ب-300 شيكل فقط ،ساري-اليوم، لغاية الثانية عشرة ليلا ومن دون  إمكانية تمديد في العرض...

العالم تشتري وتشتري وتشتري تدفع نفس المبالغ وأكثر وهي معتقدة بأنها اشتركت في تخفيضات وبأنها حصلت على ثلاث منتجات مختلفة بسعر منتج واحد ...هؤلاء الحيوانات المستهلكة ...لا شيء يملأ هذه البئر المتعفنة بالجثث...يا الهي اشتم رائحة اللحم الآدمي المحترق من هنا ...كل مستحضرات الدنيا لا تزيل تلك الرائحة التي تكاد  تحجب روائح المطاعم السريعة ...ومجمعات خراء الناس..

هذا الفقدان لما هو غير واضح ... هذا النفق ووضوحه القاتل...

اشتري 3 عبوات أو أكثر من مخللات السلام العضوية اللذيذة واحصل على اشتراك مجاني في برنامج الواقع الشهير "توب سيكريت ستارز" وابدأ طريقك في عالم الشهرة والمجد والمال...مخللات السلام تجعلك عنوانا لملاحقات الصحافة ومطاردات مصوري المشاهير...والتقولات في الصالونات والمجتمعات الراقية ...اشتري 3 من معلبات السلام واتصل على رقم 700-700-123 لتبدأ طريق المجد

مخللات السلام...نجعلك تلامس النجوم...

 

النجوم...تلك الجزر الطاهرة التي لم اسمح لنفسي يوما أن أتقوقع داخلها كالجنين ، خفت أن أزورها كي لا يفوتني شيئا من هذا كله ... وما هذا كله سوى "ألق" ينتظر بسذاجة داخل مقهى تل-أبيبي هش (مع أن رواده لا يعلمون ذلك) ينتظر أن تداهمه فجأة خلايا سرطانية مرحة تقهقه عاليا بعهر وكأنها تدعوا زبونا لمعاشرتها في زاوية حادة...النجوم ...ذلك الوضوح المقلق...

 

الى أهالي يافا الأفاضل

نعلن بمشيئة الله عن عقد حفلة للمغنية الكريمة من القطر المصري

"ليلى مراد"

في نادي الانشراح الأرثوذكسي في  شارع القدس الجديد

تقام حفلة ماتينيه للعائلات المحترمة وحفل ليلي للشباب المؤدبين

الدخول لأبناء العائلات فقط

يتم السحب على تذكرة فطار من يافا الى الإسكندرية أو القاهرة

الرجاء عدم اصطحاب الأطفال الغوالي

 

والديّ سيضطران على دفني قبلهما

أبي ...أمي لقد قضيت حياتي كلها في سعي منهجي ودءوب على فعل ما لم تتوقعوه أو بالأصح تأملوه مني ...فلم أصبح طبيب أسنان ..ولم أسكن قربكم..ولم أتزوج من عائلة كريمة وذات شأن ...ولم أتزوج أصلا ..ولم أسرح شعري كما كنت ترغبين يا أمي ...ولم أركز اهتمامي في أنواع السيارات وفرق كرة القدم كما كنت ترغبني أن أفعل يا أبي...

كما جاءت منظومة علاقاتي الجنسية مركبة ومتكلفة وفردانية ومغتربه وخلافا لما كنت تبحث عنه في عيني كل نهاية أسبوع ثانية...يا أبي..وأخي ..وجارنا القديم شريكي في مشاهدة الأفلام الإباحية والاستمناء المتبادل ..

 

باستطاعتي أن أصارحك الآن بالحقيقة: لقد مات شيء   في سواد عينيك...

وها انا أقدم لكم آخر صيحات الموضة قي تخييب الآمال: موتي!!

استلذوا على الأقل في دفني..وفي اختلاق تاريخ لم يكن لي يوماً...

 

انتهى النفق المكيّف: ببارة برتقال كبيرة تحيط بكل شيء وتحتل رائحتها مخيلتي...فردوس برتقال يمتد حتى يخلص الساحل الشرقي من المتوسط ...وأكثر