View this article in English | bilingual

الدمى والملائكة

ما كانت "حنان" لتدرك أن الوقت تأخر· وأنها أيضاً تأخرت· فهذا اليوم يوم آخر· زمن مختلف لا يشبه في شيء تقويمها العادي· ليست أمها هي المرأة التي تعرفها· ولا الحارة هي تلك التي تواظب على الخروج إليها·

ففي الفجر، قبل أن يستيقظ دبيب الأرجل على الأرض، أو تنزلق مغالق الدكاكين الصدئة نحو الأعلى؛ غادرت الأم فراشها المركون يسار الباب· تذكرُ "حنان" أن الوقت كان بعد الأذان، وتذكرُ أن هديرَ البابور، في المطبخ، طفق يتناغم· لم ترَ برميل الغسيل يُملأ وينتصب على البابور، إلاّ أنها عرفت كل تلك الخطوات عبر السمع والرائحة·

أصواتٌ تحزُ شيئاً على معدن صلب، فتقشعر منابت الشعر تحت جلدها: أمها "تنكشُ" البابور· رائحة تهجم لدقائق على المكان فتهيّج غثياناً في النفس، ثم تزول: اشتعل البابور· فرقعةٌ لها صدى قصير، ثم سقوط رتيب في فراغ: يُملأ البرميل بالماء· ثقلٌ انهدَّ فجأة على شيء فأصدر "طشيشاً" سريعاً، ثم تواصَلَ الهديرُ بانتظامه المعروف لدى "حنان": استقر البرميل على البابور أخيراً، بعد أن انزلقت منه قطرة على النار·

وأمها في المساحة الصغيرة، على الأرض العارية، تتنقل حافية·

لم توقظها· أو لم تتقصّد أن توقظها كما في كل صباح· حاولت أن تنجز عملها بالهدوء الذي تستطيع· فالوقت ما زال باكراً على النهوض؛ لكنها "حنان" الصغيرة التي تنام كالملائكة· وجهها بريء كبنات الجنة، وإفاقتها سريعة كالبرق· هذا ما قالته لها جدتها يوماً : (حنان· تنامين مثل ملاك الجنة· وتفيقين كالعفاريت على أي صوت!)· ومنذ تلك المرة، واصلت الجدة تحكي القصة لأمها حين تعتقد أن "حنان" لا تسمعها!

إلاّ أن الصغيرة تسمع· خاصة حين تفحّ الجدة كالمحمومة:

" ـ انتبهي· عليكما أن تفعلا ذلك في النهار·"

تنظر "حنان" إلى زاوية الغرفة، فترى جدتها، كأشياء الدار، نائمة، ساكنة، في ضوء الفجر الشحيح· متكوّمة لا يصدر عنها سوى تنفسها الثقيل، المنتظم·

تغمض "حنان" عينيها ثانية وتعود ـ كبنات الجنة ـ للنوم من جديد· فالوقت ما زال باكراً· تحلم بدمية أخرى غير التي اعتادت الجدة على خياطتها لها· دمية تغمض عينيها عندما تنام، وتغني حين تفيق!

* * *

في ذاك الصباح حملت "حنان" كيسها القماشي وهرولت إلى المدرسة· الكيس ذاته الذي يرافقها كلّما خرجت من البيت· دفترها، وقلمها الرصاص، ونصف رغيف بالزعتر الناشف· هذا كل ما يحتويه كيس "حنان"· أما في هذا اليوم الذي لا يقترب في شيء من أشياء تقويمها العادي، فإن أمراً جديداً طرأ·

اقتربت جدتها منها وقالت:

" ـ احزري ماذا سأعطيك·"

تلهفت "حنان" لتعرف، وأرادت أن تسأل· إلاّ أن جدتها لم تنتظر إذ قالت:

"ما رأيك بهذه الدمية؟ لقد صنعتها خصيصاً لك بالأمس·"

وأخرجت الدمية من وراء ظهرها·

كانت كغيرها من الدمى التي خاطتها لحنان· ولكنها هذه المرة دمية حمراء كبيرة· لها عينان (زِرّان) كبيران· ومحشوة بالقطن لا بقصاصات القماش والقش· وقبل أن تفكّر "حنان" بقول أي شيء، فاجأتها الجدة:

"خذيها معك إلى المدرسة·"

جُنَّتْ "حنان" فرحاً ولم تستطع إلاّ أن تقفز هنا وهناك· تقبّل جدتها الساكنة أمامها، وتنخطف إلى الخارج دافعة الدمية في الكيس· هي المرة الأولى التي يُسمَح لها بأخذ دميتها إلى المدرسة· ما هذا النهار الجميل الرائع!·· اليوم ستعرف رفيقاتها كم هي محظوظة بجدة كجدتها· تحممها· تطعمها· تحكي لها الحكايات، وتصنع لها دمى جميلة· ولكن "حنان" تذكرت شيئاً ففترت سعادتها: (إن دمى جدتي تتمزّق دائماً عندما ألعب بها· تظل جميلة وهي على الأرض فقط·)

ومع هذا، فإن "حنان" أبقت على فرحها· فهي تملك اليوم دمية جديدة· دمية تستطيع أن تريها لكل صديقاتها في المدرسة·

* * *

الحارة هي الحارة· ولكنها في هذا اليوم شيء آخر· صارت ساحة واسعة تملك "حنان" الإذن باللعب فيها وقتاً أطول· لا بل كل الوقت!

فعندما عادت "حنان" من المدرسة، وجدت جدتها تقف عند الباب· ركضت إليها وارتمت في حضنها· كانت سعيدة بالدمية إذ لم تنفرط رغم لعب صديقاتها بها أيضاً· (آه كم أحبك يا جدة)· قالت "حنان"· تبسّمت لها جدتها وأبقتها في حضنها·

"إني جائعة·"

قالت "حنان"· نهضت الجدة ووضعت أصابعها على رأس الصغيرة·

"هاتي كيسك وخذي الدمية· سآتيك بالطعام إلى هنا· لا تدخلي· العبي في الحارة!"

إذن، هو يوم آخر· يوم جميل امتلكت فيه "حنان" كامل حريتها· فالحارة ملعبها طوال الوقت· وهي ليست ملزمة بأن تسكن، منذ الآن، إلى البيت الضيّق·

وجاءتها الجدة بالطعام· أكلت "حنان" بلهفة وسرعة· فهي تريد الإسراع إلى أزقة الحارة· هناك تجد الأولاد يلعبون فتشاركهم لعبهم· والبنات يقفزن فوق المربعات المرسومة بالطبشور على الأرض· إذن، ما أعظمه من يوم· وما أروعها من حارة· أما الفضل كل الفضل·· فللجدة·

* * *

لو كانت "حنان" تعرف أن الحارة في العتمة ليست هي الحارة، لما فرحت كما فرحت ذاك النهار·

لقد غربت الشمس، وخلت الأزقة من الأولاد والبنات· صار الجو معتماً على غير ما اعتادت "حنان"· كما أن التعب أخذ منها قواها، ونال من جسمها الصغير وهي بعيدة عن زقاق بيتها في الحارة·

ارتبكت "حنان" في البداية·

ثم بدأ الخوف يغشاها: (لم تأت أمي أو الجدة لأخذي إلى البيت حتى الآن! هل نسوني؟!)، فأخذت تركض إلى البيت وكأن شيطاناً يطاردها·

وعند المنعطف الأخير، قبل أن تشرف على الزقاق، تعثرت قدما "حنان" فوقعت على وجهها· تعفرت رموشها بالتراب، واصطدمت دميتها بصفيحة صدئة فتمزّقت إلى أشلاء من القطن والقماش·

عندها بكت " حنان" ، فسالت دموعها على خَدّيها خيوطاً من ماء عكر·

< < <

حين صارت "حنان" على بعد خطوات من البيت، رأت كل شيء·

إضاءة الشارع على الزقاق كالقمر· جدتها تنتحي جانب الباب وقد التصقت بالجدار· أمها تتخطّى العتبة وكأنها تنفلت من يد تدفعها في الظهر! ثم شبح رجل يخرج من الباب، من ورائها، وهو يتلفت في كل الاتجاهات!

لم ترَ "حنان" وجه الرجل· لذا فهي لا تستطيع أن تتذكره إن رأته ثانية· ولكنها تتذكّر كل التفاصيل، لذاك اليوم:

 كيف أن أمها أفاقت باكراً ولم تصدر أصواتاً عالية ككل صباح· وكيف أشعلت البابور كي تستحم·

كيف أن جدتها أعطتها دمية جديدة ففرحت، ثم فرحت أكثر عندما سمحت لها بأخذها إلى المدرسة·

وأيضاً، تذكر "حنان" متعة اللعب حتى وقت متأخر، والطعام اللذيذ، الكثير، الذي أكلته بعجلة·

·· إذ كان طعاماً دسماً طيباً ليس كالذي تعرفه وتأكله كل يوم· طعام آخر·

إن " حنان" تذكر كل شيء·

أما لماذا كانت كل هذه الأشياء؟ ولماذا حدثت في ذاك اليوم؟ومَن هو الرجل الذي خرج من بيتهم، خلف أمها، متلفتاً، في العتمة، في كل الاتجاهات·· فإن ذلك لم تعرفه "حنان"، كمعرفتها الأكيدة لأشلاء دميتها الجديدة، وقد فقدت إحدى عينيها·

دخلت "حنان" مساء يومها الطويل الحافل وفي يدها دمية ممزقة لم يبق منها سوى عين واحدة·

لقد سقط الزر الآخر في طين الزقاق حين وقعت·· فبكت·